ما لا تستطيع رؤيته
في الحرب العالمية الثانية، حلّل الجيش الأمريكي أنماط ثقوب الرصاص في القاذفات العائدة ليقرر أين يُضيف الدروع. أرادوا في البداية تعزيز المناطق الأكثر ثقوباً. أشار أبراهام والد، وهو إحصائي، إلى الخطأ: الثقوب تُظهر أين يمكن إصابة الطائرات وعودتها سالمة. أما الطائرات التي أُصيبت في مناطق أخرى فلم تعد. كان عليهم تدريع الأماكن الخالية من ثقوب الرصاص.
هذا هو تحيّز البقاء، وهو يعمل في الأسواق المالية باستمرار. أنت دائماً تنظر إلى الطائرات العائدة.
تحيّز البقاء في العملات المشفرة
سوق العملات المشفرة هو إحدى أكثر البيئات تأثراً بتحيّز البقاء في التمويل. حين تنظر إلى الرسم البياني طويل الأمد لـ Bitcoin وترى عائداً يفوق 60,000%، فأنت تنظر إلى الفائز الأكبر الوحيد من آلاف العملات المشفرة التي أُطلقت منذ 2009. الغالبية العظمى من العملات التي أُطلقت في 2017 و2018 ذهبت إلى الصفر. لا تظهر في CoinMarketCap. ولا تظهر في بيانات الاختبار الخلفي لديك. فهي غير مرئية.
إذا اختبرت خلفياً استراتيجية "اشترِ أعلى 50 عملة مشفرة"، فإن اختبارك الخلفي متحيّز لأن الـ 50 الحالية هي الناجية. العملات التي كانت ضمن الـ 50 قبل ثلاث سنوات وخرجت (وربما ذهبت إلى الصفر) ليست في بياناتك. اختبارك الخلفي يُظهر أداءً أفضل مما كانت ستقدمه الاستراتيجية فعلاً، لأنه لا يشمل إلا ما نجا.
تحيّز البقاء في أداء الصناديق
التحيّز نفسه يُصيب بيانات أداء الصناديق. صناديق التحوّط التي تؤدي بضعف تُغلَق وتختفي من قواعد البيانات. ويتحسن متوسط أداء الصناديق المتبقية ليس لأن الصناديق تحسّنت، بل لأن الأسوأ أداءً لم يعد يُحتسب. تُقدّر الدراسات أن هذا الأثر يُضخّم عوائد صناديق التحوّط المُبلَّغ عنها بنسبة 1-3% سنوياً.
تحيّز البقاء في إشارات التداول
حين يُريك أحدهم رسماً بيانياً لـ "كل مرة تكوّن فيها هذا النمط، ارتفع السعر 20%"، اسأل كم مرة تكوّن النمط في أصول ذهبت لاحقاً إلى الصفر ولم تعد في مجموعة البيانات. قد يكون النمط ظهر 100 مرة، مع 60 نتيجة إيجابية في الأصول الناجية و40 حالة في أصول لم تعد موجودة. نسبة النجاح الحقيقية 60%، وليست 100% التي يوحي بها النظر إلى الناجين فقط.
كيف تحمي نفسك
بيانات "نقطة الزمن" هي المعيار الذهبي. الاختبار الخلفي السليم يستخدم الكون الكامل من الأصول الذي كان متاحاً في كل لحظة تاريخية، بما في ذلك تلك التي فشلت لاحقاً. الحصول على هذه البيانات ومعالجتها أصعب، لكن بدونها، تكون نتائجك مُبالغاً فيها بشكل منهجي.
حين تُقيّم أي استراتيجية أو نظام أو تحليل تاريخي، اسأل: ما الذي لا أراه؟ أي أصول أو صناديق أو متداولين كانوا جزءاً من هذا الكون في ذلك الوقت لكنهم لم يعودوا هنا؟ كيف ستبدو النتائج لو شملتُ الكون الكامل بدلاً من الناجين فقط؟ هذا السؤال لا يملك دائماً إجابة دقيقة، لكن طرحه يحميك من أكثر صور الخداع التحليلي الذاتي شيوعاً.