تفاوت الأسعار هو القاعدة لا الاستثناء
تُسعِّر أسواق التنبؤ النتائج الثنائية على شكل عقود تتراوح قيمتها بين 0 و100 سنت. فإذا تداول عقد "هل ستخفض Fed أسعار الفائدة في يونيو؟" عند 62 سنتاً على Polymarket و57 سنتاً على Kalshi، فثمة فجوة قدرها 5 سنتات على الحدث الأساسي ذاته. في الأسواق المالية التقليدية، كانت هذه الفجوة ستُغلق في غضون لحظات على يد المراجحين. أما في أسواق التنبؤ، فتظل هذه التفاوتات قائمة لساعات أو أحياناً لأيام، لأسباب هيكلية وعملية في آنٍ معاً.
يعود السبب الأول إلى تشتت السيولة. إذ تعمل Polymarket على شبكة Polygon بتسوية بعملة USDC، فيما تُشغَّل Kalshi بوصفها بورصة أمريكية منظَّمة بتسوية بالدولار الأمريكي. قواعد مستخدمين مختلفة، وأحواض رأس مال مختلفة، وقيود تنظيمية مختلفة. فالمتداول على Polymarket قد يكون مستخدماً متمرساً في عالم التشفير ومرتاحاً للمعاملات على السلسلة، بينما قد يكون متداول Kalshi مقيماً في الولايات المتحدة أتمَّ إجراءات التحقق من الهوية KYC وأودع أمواله عبر تحويل مصرفي. هذه الفئات تمتلك مجموعات معلومات مختلفة وتفضيلات مخاطرة متباينة، مما يُفضي إلى أسعار متفاوتة.
آلية عمل المراجحة من الناحية التقنية
لنفترض أن حدثاً ثنائياً مُسعَّر على النحو التالي: المنصة A تُسعِّر "نعم" بـ60 سنتاً، والمنصة B تُسعِّرها بـ52 سنتاً. وبما أن العقود تكاملية (نعم + لا = دولار واحد على كل منصة)، فإن المنصة A تُسعِّر "لا" بـ40 سنتاً والمنصة B بـ48 سنتاً.
تتمثل المراجحة في: شراء "نعم" على المنصة B بـ52 سنتاً، وشراء "لا" على المنصة A بـ40 سنتاً. التكلفة الإجمالية: 92 سنتاً. بصرف النظر عن النتيجة، ستدفع إحدى مراكزك دولاراً واحداً. الربح المضمون: 8 سنتات لكل زوج، مطروحاً منها الرسوم وتكاليف رأس المال.
هذه هي الحالة النموذجية. غير أن ثمة احتكاكات عملية عدة تُقلِّص الربح أو تُلغيه كلياً. فرسوم التداول على كلتا المنصتين تتراوح عادةً بين 1% و2% من القيمة الاسمية. وتتراكم رسوم السحب وتكاليف الجسر (لنقل رأس المال بين السلاسل أو بين التشفير والعملات التقليدية). يُضاف إلى ذلك مخاطر توقيت التسوية، إذ تحتاج إلى تجميد رأس المال على كلتا المنصتين حتى يُحسم الحدث، وقد يستغرق ذلك أسابيع أو أشهراً.
إشكالية كفاءة رأس المال
أكبر قيد على مراجحة أسواق التنبؤ هو كفاءة رأس المال. لتنفيذ الصفقة الموصوفة أعلاه، تحتاج إلى حسابات ممولة على كلتا المنصتين، ويظل رأس مالك مُجمَّداً من لحظة دخولك الصفقة حتى تسوية السوق. فإذا لم يُسوَّ العقد إلا بعد ثلاثة أشهر، فإن ربح 8 سنتات على رأس مال قدره 92 سنتاً يُمثِّل عائداً سنوياً يبلغ نحو 35%، وهو معقول لكنه ليس استثنائياً، فضلاً عن أنه يستلزم تجميد رأس المال طوال تلك المدة.
قارن ذلك بالمراجحة التقليدية حيث يمكن إغلاق المراكز وإعادة تدوير رأس المال بسرعة. في أسواق التنبؤ، تعني الطبيعة الثنائية للعقود أنك تحتفظ بها عموماً حتى التسوية. ثمة سوق ثانوية تتيح بيع مراكزك قبل حسم الحدث، لكن فوارق الأسعار عند الخروج قد تكون واسعة بما يكفي لالتهام أرباحك.
المراجحة عبر النتائج المتعددة
ثمة نوع أكثر إثارة يتعلق بأسواق النتائج المتعددة. إذا سأل سوق ما "من سيفوز في الانتخابات الرئاسية؟" وعدَّد خمسة مرشحين، فينبغي أن يساوي مجموع أسعار "نعم" لجميعهم دولاراً واحداً (إذ يفوز مرشح واحد بالضرورة). فإن تجاوز المجموع دولاراً واحداً، أمكنك بيع جميع النتائج وتحقيق ربح خالٍ من المخاطر يساوي الفائض. وإن كان المجموع دون دولار واحد، أمكنك شراء جميع النتائج.
هذه الحالات من الزيادة أو النقص في التسعير شائعة. فسوق بخمسة مرشحين قد يُسعِّرهم عند 42 و28 و18 و9 و7 سنتات، بمجموع 104 سنتات. بيع الخمسة يمنحك إيراداً قدره 1.04 دولار مقابل دفع مضمون قدره دولار واحد، محققاً 4 سنتات صافية قبل الرسوم. يعود هذا الفائض إلى حاجة المنصات لصانعي السوق لتوفير السيولة على كل عقد منفرد، وكل صانع سوق يُدرج هامش ربحه الخاص.
الأدوات والتنفيذ
رصد هذه التفاوتات يدوياً أمر غير عملي. النهج المجدي هو بناء أدوات أو استخدامها لاستطلاع الأسعار عبر المنصات باستمرار وتنبيهك حين تتجاوز التفاوتات عتبة تكاليفك. ثمة عدة بوتات مفتوحة المصدر مخصصة لـPolymarket تحديداً، وتوثيق API لكلٍّ من Polymarket وKalshi واضح بما يكفي لبناء نظام مقارنة أسعار في بضع مئات من أسطر Python.
جانب التنفيذ أهم من جانب الرصد. فحين تكتشف تفاوتاً، تحتاج إلى التنفيذ على كلتا المنصتين في وقت واحد تقريباً. فإن اشتريت "نعم" على المنصة الأرخص لكن سعر "لا" على المنصة الأخرى تحرَّك قبل أن تتمكن من التنفيذ، فقد تتبخر فرصة المراجحة أو تتحول إلى خسارة. هنا تبرز أهمية البنية التحتية منخفضة الكمون والحسابات الممولة مسبقاً.
بالنسبة لمعظم المتداولين الأفراد، الفرصة الواقعية لا تكمن في المراجحة عالية التردد، بل في تحديد التفاوتات الهيكلية المستمرة؛ تلك الحالات التي تُفرز فيها الفوارق التنظيمية أو الديموغرافية أو المعلوماتية بين المنصات أسعاراً مُضلِّلة موثوقة تدوم طويلاً بما يكفي للاستفادة منها.